2013-07-28

مناقب وفضائل الامام امير المؤمنين عليه السلام




كثيرة هي مناقب وفضائل الامام امير المؤمنين عليه السلام لا يستطيع العالم عدها وقد كتبت في فضائله الكثير من المصنفات والمؤلفات والمجاميع والممتتبع لكتب الفهارس يجد ذلك جليا واضحا والاحاطة بها ضرب من المحال فانه عليه السلام مجمع دائرة الكمال والفضائل بل منه استمد اهل الفضل فضائلهم واليه انتهت رئاسة اهل الفضل وذلك لانه عليه السلام يستمد من فوارة النور الامتناهي الا وهو الرسول المصطفى صلى الله عليه واله روحي وارواح العالمين له الفداء لانه سنخه وفرعه وكما قال عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء 
انتهاء كل الفضائل اليه عليه السلام
ولنعم ما قال ابن ابي الحديد في هذا الصدد منهيا كل علم حصل في الاسلام وفضيلة اليه :
أما فضائله عليه السلام ، فإنها قد بلغت من العظم والجلاله والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها ، والتصدي لتفصيلها ،وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الارض وغربها ، واجتهدوا بكل حيله في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيله ، أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعه وسموا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار ان حجبت عنه عين واحدة ، أدركته عيون كثيره ! وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهى إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلى حلبتها ، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى .
 وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الالهى ، لان شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم . ومن كلامه عليه السلام اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ فإن المعتزلة الذين هم أ هل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه ، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه السلام . وأما الاشعرية فانهم ينتمون إلى أبى الحسن على بن إسماعيل بن أبى بشر الاشعري ، وهو تلميذ أبى على الجبائى ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالاشعرية ينتهون بأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو على بن أبى طالب عليه السلام . وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
 ومن العلوم : علم الفقه ، وهو عليه السلام أصله وأساسه ، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه ، ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبى حنيفه كأبى يوسف ومحمد وغيرهما ، فأخذوا عن أبى حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فقهه إيضا إلى أبى حنيفة ، وأما أحمد بن حنبل ، فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبى حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه السلام ، وقرأ جعفر على أبيه عليه السلام ، وينتهى الامر إلى على عليه السلام . وأما مالك بن أنس ، فقرأ على ربيعة الرأى ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمه على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على على بن أبى طالب ، وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك ، فهؤلاء الفقهاء الاربعة . واما فقه الشيعة : فرجوعه إليه ظاهر وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذ عن على عليه السلام . أما ابن عباس فظاهر ، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التى أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرة : لو لا على لهلك عمر ، وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن . وقوله : لا يفتين أحد في المسجد وعلى حاضر ، فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه . وقد روت العامة والخاصة قوله صلى الله عليه وآله : أقضاكم على ، والقضاء هو الفقه ، فهو إذا أفقههم . وروى الكل أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين وهو عليه السلام الذى أفتى في المرأة التى وضعت لسته أشهر ، وهو الذى أفتى في الحامل الزانية ، وهو الذى قال في المنبرية: صار ثمنها تسعا . وهذه المسأله لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب ، فما ظنك بمن قاله بديهة ، واقتضبه ارتجالا .
ومن العلوم : علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ، ومنه فرع . وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه ، وأنه تلميذه وخريجه . وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال : كنسبة قطره من المطر إلى البحر المحيط .  
ومن العلوم : علم الطريقة والحقيقة ، وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام ، إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرح بذلك الشبلي ، والجنيد ، وسري ، وأبو يزيد البسطامى ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ، وغيرهم . ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التى هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام .
ومن العلوم : علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافه أنه هو الذى ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبى الاسود الدؤلى جوامعه وأصوله ، من جملتها الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف . ومن جملتها : تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم ، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط . 
 وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.
وأما الشجاعة : فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الامثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذى ما فر قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى إلى ثانية ، وفي الحديث كانت ضرباته وترا ، ولما دعا معاوية إلى المبارزه ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ! أ تأمرني بمبارزه أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ! أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ! وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبد ود ثرثيه :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبدا ما دمت في الابد 
لكن قاتله من لا نظير له وكان يدعى أبوه بيضة البلد
  وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقعد ، فقال له عبد الله يداعبه : يا أمير المؤمنين ، لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر ، قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبى طالب ! قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها . وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادى في مشارق الارض ومغاربها .
  وأما القوة والايد : فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبه في( المعارف ): ما صارع أحدا قط إلا صرعه . وهو الذى قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبه من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذى اقتلع هبل من أعلى الكعبة ، وكان عظيما جدا ، وألقاه إلى الارض . وهو الذى اقتلع الصخره العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها ، وأنبط الماء من تحتها .
  وأما السخاء والجود : فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) . وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فأنزل فيه : (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) . وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتى مجلت يده ، ويتصدق بالاجرة ، ويشد على بطنه حجرا . وقال الشعبى وقد ذكره عليه السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود ، ما قال : ( لا ) لسائل قط . وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبى سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك ! كيف تقول إنه أبخل الناس ، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن ، لانفد تبره قبل تبنه . وهو الذى كان يكنس بيوت الاموال ويصلي فيها ، وهو الذي قال : يا صفراء ، ويا بيضاء ، غري غيري . وهو الذي لم يخلف ميراثا ، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام .
  وأما الحلم والصفح : فكان أحلم الناس عن ذنب ، وأصفحهم عن مسئ ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى الناس له ، وأشدهم بغضا فصفح عنه . وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رءوس الاشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبى طالب وكان علي عليه السلام يقول : ما زال الزبير رجلا منا اهل البيت حتى شب عبد الله فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيرا ، فصفح عنه ، وقال : اذهب فلا أرينك ، لم يزده على ذلك . وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة ، وكان له عدوا ، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا . وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها ، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم ، وقلدهن بالسيوف ، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به ، وتأففت وقالت : هتك سترى برجاله وجنده الذين وكلهم بى فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن ، وقلن لها : إنما نحن نسوه . وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف ، وشتموه ولعنوه ، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مول ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن . ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريهم ، ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة ، فإنه عفا والاحقاد لم تبرد ، والاساءة لم تنس . ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء ، وأحاطوا بشريعة الفرات ، وقالت رؤساء الشام له
  اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا ، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء ، فقالوا : لا والله ، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان ، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه ، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع ، سقطت منه الرؤوس والايدي ، وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة ، لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين ، كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا بالايدي فلا حاجه لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك . فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام ! .
   وأما الجهاد في سبيل الله : فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له ! وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي نصفهم ، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر . وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه ، لانه من المعلومات الضرورية ، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما .
  وأما الفصاحة : فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيد البلغاء ، وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين . ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع ، ففاضت ثم فاضت . وقال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق الا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبى طالب . ولما قال محفن بن أبى محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ، قال له : ويحك ! كيف يكون أعيا الناس ! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفى هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة . وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب ( البيان والتبيين ) وفي غيره من كتبه .
   وأما سجاحة الاخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيا ، والتبسم : فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لاهل الشام : أنه ذو دعابة شديدة . وقال علي عليه السلام في ذاك : عجبا لابن النابغة ! يزعم لاهل الشام أن في دعابة ، وأني امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمجها . قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه . وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة ، قال قيس : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء ، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام ! . وقد بقى هذا الخلق متوارثا متنافلا في محبيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك .
  
  وأما الزهد في الدنيا : فهو سيد الزهاد ، وبدل الابدال ، وإليه تشد الرحال ، وعنده تنفض الاحلاس ، ما شبع من طعام قط . وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه ؟ قال : خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت . وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة ، وليف أخرى ، ونعلاه من ليف . وكان يلبس الكرباس الغليظ ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ، ولم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له ، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح ، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الارض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ، ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان . وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لا ينقض الجوع قوته ، ولا يخون الاقلال منته . وهو الذي طلق الدنيا وكانت الاموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام ، فكان يفرقها ويمزقها ، ثم يقول :
  هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه
   وأما العبادة : فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلم الناس صلاة الليل ، وملازمة الاوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير ، فيصلي عليه ورده ، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ! وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده . وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لعزته والاستخذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت ، وعلى أي لسان جرت ! . وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام - وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدى عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله
  
  وأما قراءته القرآن واشتغاله به : فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبى بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن ، لانه لو كان مجموعا في حياه رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وآله . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه ، كابي عمرو بن العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما ، لانهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمى القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التى تنتهى إليه أيضا ، مثل كثير مما سبق .
   وأما الرأي والتدبير : فكان من أسد الناس رأيا ، وأصحهم تدبيرا ، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار . وهو الذى أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث . وإنما قال أعداؤه : لا رأي له ، لانه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها ، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه . وقد قال عليه السلام : لو لا الدين والتقى لكنت أدهى العرب . وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه ، سواء أ كان مطابقا للشرع أم لم يكن . ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لاجلها مما يرى الصلاح فيه ، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب .
   وأما السياسة : فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات الله ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به . وأحرق قوما بالنار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي ، وقطع جماعة وصلب آخرين . ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه .
  
  فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله ، والرئيس المقتفى أثره .
   وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ،
   وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لاهل الملة ،
   وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها ، حاملا سيفه ، مشمرا لحربه ،
   وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها !
  كان علي سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته ،
  وكان علي سيف إلب أرسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر . وما اقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به ، وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه ،
   حتى الفتوة التى أحسن ما قيل في حدها : ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ، وصنفوا في ذلك كتبا ، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه ، وقصروه عليه وسموه سيد الفتيان ، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي ، انه سمع من السماء يوم أحد : لا سيف إلا ذو الفقا ر ولا فتى إلا علي
  وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة ، قالوا : قل أن يسود فقير ، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسميه الشيخ . وفي حديث عفيف الكندي ، لما رأى النبي صلى الله عليه وآله يصلى في مبدأ الدعوة ، ومعه غلام وامرأة ، قال : فقلت للعباس أي شئ هذا ؟ قال : هذا ابن أخي ، يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام - وهو ابن أخي أيضا - وهذه الامرأة ، وهي زوجته . قال : فقلت : ما الذي تقولونه أنتم ؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ - يعني أبا طالب . وأبو طالب هو الذى كفل رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا ، وحماه وحاطه كبيرا ، ومنعه من مشركي قريش ، ولقي لاجله عنتا عظيما ، وقاسى بلاء شديدا ، وصبر على نصره والقيام بأمره . وجاء في الخبر أنه لما توفى أبو طالب أوحى إليه عليه السلام وقيل له : اخرج منها ، فقد مات ناصرك . وله مع شرف هذه الابوة أن ابن عمه محمد سيد الاولين والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين ، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ( أشبهت خلقي وخلقي) فمر يحجل فرحا . وزوجته سيدة نساء العالمين ، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة ، فأباؤه آباء رسول الله ، وأمهاته أمهات رسول الله ، وهو مسوط بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق الله آدم ، إلى أن مات عبد المطلب بين الاخوين عبد الله وأبى طالب ، وأمهما واحدة ، فكان منهما سيد الناس ، هذا الاول وهذا التالي ، وهذا المنذر وهذا الهادى ! .
   وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن بالله وعبده ، وكل من في الارض يعبد الحجر ، ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير ، محمد رسول الله صلى الله عليه وآله . ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله إيمانا به ، ولم يخالف في ذلك إلا الاقلون . وقد قال هو عليه السلام : أنا الصديق الاكبر ، وأنا الفاروق الاول ، أسلمت قبل إسلام الناس ، وصليت قبل صلاتهم . ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا . وإليه ذهب الواقدي ، وابن جرير الطبري ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب ( الاستيعاب) .
 فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا بل يزيد عليه ، وبالله التوفيق [1]




   



([1])شرح نهج البلاغة ج 1   ص 16

2013-07-24

شرح فقرات دعاء كميل

إن دعاء كميل يُعتبر معلما من معالم ليلة الجمعة، فهو دعاء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، هذا الدعاء رواه كميل بن زياد.. فرب العالمين له أساليبه في جعل الأبدية والخلود للبعض، ونحن نعتقد أن هذا الدعاء من الأدعية المخلدة في تاريخ المسلمين، ومحبي أمير المؤمنين صلوات الله عليه.. وهنيئا لكميل!.. فكم قُرئ هذا الدعاء على مر القرون في المشاهد المشرفة، ولا شك أنه كلما قُرئ من هذا الدعاء، فهو مدون في سجل هذا العبد الصالح، الذي كان من خيار أنصار أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.. ويبدو من بعض الروايات والنقل أنه هو الذي سأل عليا حول هذا الدعاء، وكان له الفضل في وصول هذا المضامين الربانية إلينا نحن.

نحن نقرأ الدعاء ليلة الجمعة، ولكن قبل قراءة هذا الدعاء أو أي دعاء آخر مثل: دعاء الصباح، ودعاء الافتتاح، أو دعاء الندبة، أو دعاء يوم عرفة؛ علينا أن نتأمل في المضامين.. فنخن -للأسف- لا نتأمل المضامين، سواء عند قراءة القرآن الكريم، أو أدعية أهل البيت عليهم السلام.. وأغلب الناس يقرأ الدعاء مقدمة لقضاء الحوائج، فكأن الدعاء لا قيمة له في حد نفسه.. ولهذا لو أن إنسانا له حاجة ملحة، وابتدأ بقراءة دعاء الجوشن، وفي وسط الدعاء قيل له: أن حاجته قد قضيت؛ فيحتمل أن يقطع الدعاء، لأن السبب انتفى بالنسبة له!.. وهذا خطأ.. فالإنسان يتلذذ بمناجاة ربه، والدليل على ذلك موجود في القرآن الكريم، وهو تعامل موسى -عليه السلام- مع رب العالمين، رب العالمين يسأل موسى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}، والإنسان في محضر الله -عز وجل- من المفروض أن يتأدب في الجواب، ومن المعروف أن من آداب الحديث مع الشخصيات الكبيرة، أن يُجمل الإنسان القول ولا يفصله تفصيلا يعرفه المخاطب، يتكلم مع رب العالمين فيقول: بيدي عصا وانتهى الأمر.. إذن، ليس المقام مقام تفصيل، فإذا بموسى -عليه السلام- يغتنم الفرصة ليقول: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}، وكأنه ينتظر أن يأتي الوحي بسؤال: ما هي هذه المآرب الأخرى يا موسى حتى يكمل، مثلا يقول: أضرب بها على ورق الشجر ليتساقط، ثم يأكل منه الغنم مثلا.. يقول العلماء: أن موسى -عليه السلام- اغتنم الفرصة، فرب العالمين سأله سؤالا، أي أذن له بالكلام، عندئذ أخذ يفصل ويفصل.. ونحن في أدعيتنا نشكر الله -تعالى- أنه أذن لنا في دعائه، كما ورد في دعاء الافتتاح (اللهم!.. أذنت لي في دعائك ومسألتك، فأسمع يا سميع مدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، ….الخ)..

فإذن، إن الإنسان من خلال الدعاء، يحاول أن يتحدث مع ربه.. فالدعاء -كما نعرف- هو حديث العبد مع الرب، وكذلك الصلاة، فكما هو معروف أن الخطاب على نحوين: الخطاب الصاعد من العبد إلى اللّه، والخطاب النازل من الله تعالى إلى العبد.. فالخطاب الصاعد: هو "الصلاة" و"الدعاء"، وهو القرآن الصاعد.. والخطاب النازل: هو "القرآن" النازل من عند الله على الناس.. فتارة رب العالمين يكلم عبده من خلال قرآنه، وتارة العبد يكلم ربه من خلال الصلاة.. والصلاة لغة تعني الدعاء.

إن هنالك بعض القواعد العامة، لا بد من ذكرها بالنسبة إلى الأدعية بشكل عام، منها:

أولا: عدم تخصيص الأدعية: إن الأدعية الواردة في مناسبات معينة: كليلة الجمعة -مثلا- أو صباح الجمعة، أو بين الطلوعين، أو في شهر رمضان، أو ليالي القدر.. ليس معنى ذلك النهي عن قراءة هذه الأدعية في غير هذه الأوقات!.. إذا كان الإنسان يستأنس بمضمون الدعاء؛ فليحفظه!.. إن أغلب المؤمنين هذه الأيام حتى لعل الأطفال الصغار، إذا قيل لهم: هذه الفقرات من أي دعاء؟.. يعرفون أن هذه الأجزاء من دعاء كميل، لشدة أنسهم بهذا الدعاء.. فما المانع أن نستخدم هذه المضامين الراقية في سجود صلاتنا، وفي قنوتنا، وفي صلاة الليل، وفي مناسبات مختلفة؟!.. فالإنسان قد يتفاعل مع بعض الفقرات من أدعية أهل البيت عليهم السلام.. لماذا يغفل الناس عن دعاء رفع المصاحف سنة كاملة؟.. فهذا الدعاء ليس فيه أي إشارة إلى ليلة القدر (اللهم!.. إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأعظم …الخ) ليس هنالك عبارة واحدة تشير إلى شهر رمضان، ولا إلى ليلة القدر.. ودعاء رفع المصاحف تقريبا تطبيق عملي لحديث النبي- صلوات الله عليه-:(إني تارك فيكم الثقلين)؛ الكتاب على رأسك وبين يديك، وذكر أئمة أهل البيت على لسانك؛ أي هناك تركيبة جامعة بين التوسل بالله -عز وجل- وبكتابه وبنبيه وبأوليائه إلى الإمام الأخير.. وهذا درس لنا جميعا: أن نستعمل أدعية أهل البيت في مناسبات مختلفة.

ثانيا: الدعاء أثناء الصلاة: بعض الأفراد أو بعض المقلدين، لا يعرفون أن الإنسان بإمكانه أن يدعو في غير القنوت، يظن بأن المكان الوحيد للدعاء بين يدي الله هو القنوت، أما إذا قال: (سمع الله لمن حمده) ثم بدا له أن يقرأ فقرات من دعاء كميل يقول: لا، هذا لا يجوز، لماذا لا يجوز؟.. بين السجدتين تقول: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم تقول: (اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم.. اللهم!.. اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء).. ما المانع من ذلك؟..

فإذن، إنه لمن المناسب جدا للمصلي أن يدخل الدعاء في كل صلاته.. فالمؤمن تأتيه بعض الحالات في مقام إبراهيم -مثلا- أو في روضة النبي الأكرم، وأحيانا تأتيه الرقة في الصلاة.. والمؤمن على كل حال له حالات: يقبل يوما، ويدبر يوما.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها.. فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها).. وهذه النفحات جدا غالية على الله عز وجل، ولهذا يقول: (في أيام دهركم) وليس كل يوم.. وإن كان البعض من المؤمنين له في كل ليلة، وفي كل صلاة ليل، نفحات إلهية تفيض عليه.. ولكن العامة من الناس في السنة: في الحج، أو العمرة، أو في ليلة القدر؛ لهم في الدهر أربع أو خمس محطات ملفتة.. أما البعض فإنه يستنشق ذكر الله كالهواء، إذا انقطع عنه الهواء خمس دقائق يختنق.. بعض المؤمنين علاقته بالذكر، هي هذه العلاقة العضوية الوطيدة.. مثلا: أنت في الروضة وخلف المقام تأتيك هذه الرقة التي كنت تنتظرها طوال موسم الحج؛ فعليك بمناجاة الله -عز وجل- بما تريد.. ومن أفضل الساعات لاغتنام الفرصة، إذا جاءتك في حال الصلاة، فتدعو الله في أثناء الصلاة.

إن البعض يستعد أن يصلي حتى يدعو بعد الصلاة، لماذا لا تدعو أثناء الصلاة، لأنك أنت الآن بين يدي الله وفي ضيافته، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فكيف إذا كانت الصلاة في روضة النبي، أو في الحرم المكي، يدعو الله عز وجل!.. حتى أن بعض العلماء في صلاة الفجر، كان يطيل في دعائه في الصلاة، لعله إلى قريب طلوع الشمس.. هما ركعتان تحتاجان لمدة دقيقتين، وإذا به يستمر بها لمدة ساعة ونصف تقريبا بين الطلوعين، ماذا يعمل في هذه الصلاة؟.. كان يناجي ربه في كل فقرة من فقرات صلاته، وهذا من الاقتراحات المناسبة في هذا المجال، أن نخلل الأعمال العبادية بالأدعية.. بعض الناس لا يعرف ماذا يقول في طوافه، فيقرأ دعاء كميل.. ونحن ندعو من له قدرة على الحفظ، أن يحفظ دعاء كميل، أو دعاء الصباح، أو سورة ياسين.. وهذا يحتاج إلى ذهنية صافية، وهذه الأيام أغلب الناس أذهانهم مشوشة، قد لا يمكنهم حفظ سورة قصيرة من آخر القرآن الكريم.. ولكن من وفق لذلك فهنيئا له!.. في الطواف يقرأ هذا الدعاء، وفي السعي، وفي جميع الأعمال.

ثالثا: الدعاء بغير العربية: البعض قد لا يعلم أنه يجوز الدعاء بغير العربية، حتى في غير القنوت، أثناء الصلاة إنسان ساجد يدعو الله باللغة الانجليزية -مثلا- يريد أن يحدث ربه، نعم هو يقول بالعربية: (سبحان ربي الأعلى) ولكن لا يتفاعل مع هذا الذكر؛ لأنه لا يعلم معناه!.. نحن الناطقون باللغة العربية لا نعلم معنى (سبحانك)!.. نقول: (سبحان ربي الأعلى)، نعرف معنى الأعلى، ولكن ما معنى سبحانك؟.. السبحان يعني التنزيه من أي شيء، لماذا لم يقل: أسبح الله؟.. قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ولماذا لم يقل: سبحان ربي الأعلى بحمده؟.. لماذا يقال: (وبحمده)؟.. لماذا استخدمت الواو هنا؟.. وهذا اتفاقا من أعقد الأبحاث!.. لعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو هذه الأسئلة، فكيف بإنسان لا يتكلم العربية، وهو يريد أن يدعو بلغة قومه؟!..

رابعا: الاكتفاء بقراءة قسم من الدعاء: إن البعض قد يستنكف عن قراءة دعاء كميل ليلة الجمعة، والسبب في ذلك أن وقته ضيق.. فمن قال بأنه عليك أن تقرأ الدعاء من أوله إلى آخره؟.. بإمكانك أن تقرأ قسما من الدعاء عند ضيق الوقت، مثلا من فقرة: (اَللّهُمَّ وَمَنْ أرادني بِسُوء فَاَرِدْهُ) إلى آخر دعاء كميل، كلها مضامين عالية.. وكذلك فإن النتيجة والثمرة النهائية، موجودة في هذه الفقرة وما بعد: (وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجَاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ إِجابَتِكَ) إلى أن تقول: (وَاجْعَلْني مِنْ أحْسَنِ عَبيدِكَ نَصيباً عِنْدَكَ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةً مِنْكَ، وَأخَصِّهِمْ زُلْفَةً لَدَيْكَ...الخ).

فإذن، مع ضيق الوقت اقرأ قسما من الدعاء!.. بل نقول: مع سعة الوقت، لا تبغض عبادة الله إلى نفسك.. عن الرسول الأكرم (ص): (إن للقلوب إقبالا وإدبارا: فإذا أقبلت؛ فاحملوها على النوافل.. وإذا أدبرت؛ فاقتصروا بها على الفرائض).. فمن الخطأ أن يلزم الإنسان نفسه بما لا يستسيغه، كمن يصلي صلاة مستحبة وهو كاره، أو يقرأ الدعاء وهو كاره، وهذه الأيام الهمم العالية أصبحت قليلة، أصبحنا نتعب ونكسل سريعا.. الآن من باب خداع الشيطان، طبعا فكما أن الشيطان يخدعنا نحن أيضا نخدع الشيطان، قل: يا أبا مُرّة -كنية الشيطان أبو مُرّة- أنا سأقرأ العبارات الأولى من دعاء كميل، أنا إنسان مجبر الآن، لأنك تقول لي: لا تقرأ الدعاء، لذا أنا سأقرأ أربعة أسطر من الدعاء إلى (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ).. أنت عندما تبدأ الدعاء، ترى أبواب السماء فتحت، والشهية فتحت، فتقول: يا أبا مُرّة، سأقرأ العشرة أسطر الإضافية، إذا بك أنهيت الدعاء!..  وهكذا في صلاة الليل!.. إن الخطاب للشيطان، وبعض الأوقات يكون الخطاب للنفس الأمارة للشيطان.. فالشيطان يؤسس كيانا، يقول لك: نفسك الأمارة بالسوء، هي سفارتي في وجودك، بدل أن أتعب نفسي معك؛ فإن هذه النفس تمثلني في وجودك.. لذا أنت قل لهذه النفس: يا نفس!.. هذه الليلة سأصلي ركعتين، وبعدها ركعتين، وكل فترة تزيد عدد الركعات إلى أن تصبح الصلاة كاملة.. اخدعوا النفس بهذه الكيفية، وهذه خدعة جيدة!.. فالنبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (الحرب خدعة) ونحن نعرف أن الحرب مع النفس، والجهاد مع النفس، هو الجهاد الأكبر.. فالإنسان بهذه المناسبة يخادع نفسه، ويخادع شيطانه بهذه الكيفية.

خامسا: قراءة الدعاء برجاء المطلوبية: بعض الناس: إما من باب البحث العلمي، أو من باب التظاهر بالجو العلمي أو الثقافة؛ عندما يتحدث، أو عندما يناقش، أو عندما يسأل.. ليس من منطلق الجهل، أو البحث عن الحقيقة، بل من منطلق التظاهر يقول: هذا الدعاء ما سنده؟.. سنده ضعيف، من قال: هذا الدعاء صحيح؟.. من قال بأن دعاء الصباح دعاء وارد؟.. من قال: كذا، ومن قال: كذا؟..
طبعا الجواب: نحن لا نُطالب بالسند القطعي في قراءة الدعاء، نحن لسنا في مقام الإفتاء، ولسنا في مقام بيان الحلال والحرام، ولسنا في مقام الإلزام: لا تحريما، ولا إيجابا.. فمن يقول بأنه في الأدعية المستحبة لا نقرأ إلا الدعاء الذي ثبت سنده أو ثبت بسند صحيح؟.. هذا أيضا من الأمور الذاتية، أن تعتبر أن الدعاء الذي روي وإن كان مرسلا، وإن كان من غير سند، أو كان فيه رواة ضعاف، يُقرأ برجاء المطلوبية، وخاصة إذا كانت المضامين راقية.. هنالك دعاءان علماؤنا يرتاحون لقوة المضمون فيهما، مما يجعل الإنسان لا يوسوس كثيرا في السند.. وهما دعاءان مرويان عن أمير المؤمنين -صلوات الله وسلامه عليه-: دعاء الصباح (يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفياته!.. يا من قَرُبَ من خطرات الظُنون)!.. هذه المضامين هي مضامين في أعلى درجات التوحيد، وليس كل إنسان يمكنه شرح مقدمة دعاء الصباح، إلا وقد اجتاز دورات عقائدية وفلسفية وكلامية.. فإذن، إن هذا الدعاء، ودعاء كميل؛ دعاءان بليغان.. انظروا إلى هذه المضامين!.. ما الذي يجعل الإنسان ويقول: هذا المضمون فيه ضعف، وفيه إشكال؟!..

إن هنالك بعض الأدعية فيها عبارات بليدة، لا نعرف معناها، ولكن عندما نقرأها، نقرأها تعبداً لأن فيها ألفاظا غير عربية، ولا نعرف ما معنى هذا الدعاء!.. ولكن دعاء كميل، ودعاء الصباح، وغيره من الأدعية؛ المضامين واضحة جدا، وراقية جدا.. إذ إن الإنسان يكاد يرتاح لهذه المضامين، فهذا الدعاء لو لم يصدر من أمير المؤمنين، هل كتب الله له هذه الشهرة في طوال هذه السنوات والأعوام والقرون؟..

وأيضا بعض أولاد الأئمة -عليهم السلام- هذا الذي يزار أو الذي يتبرك بزيارته، وتقضى منه الحوائج.. فإن رب العالمين لا يعطي هذه الكرامات والبركات من دون سبب وجيه!.. هذه السيدة الجليلة المسكونة في عش آل محمد، فاطمة بنت موسى بن جعفر صلوات الله عليهم، صحيح لا توجد روايات كثير عنها، ولا سيرة واضحة مدونة ولا كتاب ضخم عنها.. ولكن ما رأيناه في هذه السنوات الطويلة من البركات والكرامات، يجعل الإنسان يطمئن إلى أن هنالك شيئا إلهيا في هذا المرقد الشريف.. ودعاء كميل أيضا كذلك، يبدو أن هنالك ارتضاء إلهيا لهذه المضامين التي كتبت لها الأبدية والخلود.

إن العلامة المجلسي- رحمه الله- صاحب كتاب بحار الأنوار، -طبعا البعض قد ينتابه شيء من الحالة السلبية عند ذكر هذا الكتاب، قد يقول: أنا رأيت رواية غير معقولة لم أقبلها.. نقول: أولا الشيخ- رحمه الله- ما كان في مقام جبر الصحاح.. فليس عندنا -نحن الإمامية- كتاب واحد ندعي أنه كالقرآن الكريم صحيح من أوله إلى آخره، هذا الكلام غير وارد في منطق الإمامية.. فكيف بمائة وعشر مجلدات؟.. إن هذا العالم الجليل كان في مقام جمع روايات أهل البيت، ثم يقول: هذا الذي جمعته، فأيها العلماء ابحثوا في هذه المضامين، هذا جهدي في زماني.. هو جمع هذا التراث الضخم، وعلى العلماء والمدققين التنقيب حول هذه المضامين.. إن هذا العالم الكبير له حق على المسلمين، وكتابه البحار فيه روايات النبي وآل النبي، فليس حقه على مدرسة أهل البيت فحسب، وإنما حقه على المسلمين كافة.. وأيضا هناك روايات في كنز العمال، وهو من خارج مدرسة أهل البيت، روايات أخلاقية جميلة ينقلها صاحب كنز العمال، ونحن ننقلها في كتبنا ونستأنس بها وننقلها على المنابر.. فما المانع أن ينظر أيضا باقي المسلمين إلى التراث الحديثي في البحار وغيره، وينقلون المضامين الأخلاقية التي يجمع على أنها مضامين أخلاقية لا ريب فيها-؟.. يقول المجلسي رحمه الله: (إنه أفضل الأدعية) ولم يقل: (إنه من أفضل الأدعية) هذا الرجل يعطي شهادة، هذه الشهادة شهادة أكاديمية محترمة، لم ينقلها إنسان عادي أو إنسان له مستوى علمي محدود، بل إنسان يعتبر في تاريخ الإمامية من أعظم المحدثين وأستاذ المحدثين: رجل عالم، نقل روايات، وجمع روايات.. ولكن أثناء الجمع أيضا له تعليقاته على بعض الروايات، هذا الرجل يقول عن دعاء كميل: (إنه أفضل الأدعية، وهو دعاء الخضر عليه السلام).

هنا نتمسك بهذه القاعدة: أن أمير المؤمنين -صلوات الله عليه- لعله أراد بهذا الدعاء أن يبين لنا فضل الخضر هذا العبد الصالح، وهذا الولي الذي هو في زمان الغيبة، والحديث عن الخضر كثير، ولكن نقف عند هذه النقطة ونقول: إن الدعاء الذي يعتبره المجلسي أفضل دعاء، هذه شهادة تدعونا للتدبر والتأمل في مضامين هذا الدعاء.

ملاحظة: إن البعض منا قد يرى رواية غريبة لا يستسيغها، أو لا تنسجم مع عقله هو، لا مع عقل البشر، ولا مع عقل كل عقلاء العالم، هو لا يستسيغ.. ولكن احتراما لأهل البيت ورواياتهم لا تسارع إلى الإنكار، ولكن رده إلى أهله.. والذي ينفي أحاديث أهل البيت لمجرد الاستغراب، هذا إنسان لديه نقص في البعد العلمي، فأن يسارع الإنسان إلى النفي بمجرد الاستغراب، هذا لا يقبله البحث الأكاديمي.. ولو كان الأمر منوطا باستغرابنا لحكمنا -والعياذ بالله- على آيات من القرآن بأنها آيات غير معقولة، مثل آية: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي يد هذه؟.. و{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، كيف يأتي الرب مع الملائكة؟.. فرب العالمين (لا يكيف بكيف، ولا يؤين بأين)، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}.. فإذن، هذه الآيات كما أن فيها محكمات ومتشابهات، كذلك في تراث أهل البيت عليهم السلام، هنالك محكمات وهنالك متشابهات، على الإنسان إما أن يكون أكاديميا، أو متأدبا في مناقشة هذا التراث العظيم.

2013-07-08

تأملات وعبر من حياة نبي الله لوط (ع)

إن نبي الله لوط، قد لاقى الأمـرَّين من قومـه.. فهذا النبي الذي ابتلي بمجموعةٍ بشرية، يمكن أن يقال عنها: بأنها من أسخف الأمـم التي عاشت في الأزمنة الغـابرة.. إن هؤلاء تميزوا بارتكاب الفاحشة، وإتيان الذكران دون النسـاء.. ويبدو أن هذه الحالة كانت حالة شاذة في حياة الأمـم السابقة، ولو كانت هناك ظاهرة متحققة في باقي الأمم، لذكرها القرآن الكريم..ولكن يبدو أن التميز بهذه المعصية، جعل الله سبحانه وتعالى يميزهم بالعذاب.
وعجباً لحلم الله جل جلاله!.. ففي الأزمنة الغابرة، وفي زاوية من زوايا الأرض، وجدت طائفة تمارس هذا العمل القبيـح.. ولكن في زاوية محدودة، وبلا دعوةٍ لباقي الأمـم، فعجّل الله عز وجل لهم العقوبة.. ولكن في زماننا هذا، فإن رب العالمين أخّر انتقامه إلى يوم الوقت المعلوم.. رغم أننا نرى بأن هذا العمل أصبح مفلسفاً، وله دعاة، وله أحزاب، وله جماعات، يتبجّحون بذلك من دون أدنى درجةٍ من درجاتِ الخجل.
إن الذي يحيي آمال الأنبياء والمرسلين، والذي يحقق الشريعة، بعد أفولها ولو تطبيقاً، هو الإمام صلواتُ الله وسلامه عليه.. فلا أمل في الذين رفعوا شعار الدفاع عن الإنسان والمُثُل.. فإن هؤلاء هم الذين ضحوا بالمثلِ والقيم، وعليه، فلا بد من يدٍ غيبية، ألا وهي المهدي الذي سينزل مع ذلك النبي الصالح المسيح -روح الله- ليعيد النصاب إلى الأرض بين المسلمين وبين غيرهم.
{وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}.. أنظروا إلى حسن الضيافة!.. {فَمَا لَبِثَ}.. أي أنه سريعاً جاء بعجلٍ مشوي.. ولكن {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}.. إن الضيف إذا لم يأكل من طعام صاحب المنزل، فهذا يعني أن هنالك شيئا في الأفق، وإلا فلماذا لا يأكل من طعام وزاد المضيف؟!.. فهذا الذي يترائى في ذهن كل إنسان.
{قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}.. هنا أيضاً إشارة سريعة بأن علوم الأنبياء مستندة إلى تعليم الله عز وجـل.. فإذا علّمهم الأمر يعلمون، وإذا حجب عنهم لا يعلمون.. فالملائكة تنزل في بيت إبراهيم، وهو لا يعلم بأن هؤلاء ملائكة.. فقد كانوا في زي بني آدم، فحق لإبراهيم ألا يعرف ماهيتهم، إلا بتعليم من الله عز وجل.. ولو كان يعلم أن هؤلاء ملائكة، لا تأكل ولا تشرب، لما كلف نفسه بعجلٍ حنيذ.. وهكذا بالنسبة لنبي الله يعقوب، فولده في البئر، وفي معرض الهلاك: جوعاً، وعطشاً، وهو لا يراه في البئر.. ولكن عن مسافة بعيدة وإذا به يقول: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.. فهنا يُفتَحُ له المجال ليشم قميص يوسف من مسافات، وحتى هذا القول من يعقوب صار مستنكراً من قبل أولاده.. فإذن، هنالك إخبارٌ غيبي، فيعقوب لم يعلم، ولم يَطَّلع على هذا النبأ السار، إلا حينما أراد اللهُ عز وجل.. وكذلك بالنسبة لإبراهيم.
لماذا قالوا: {بِالْبُـشْرَى} مع أن هؤلاء جاؤوا لهلاك القوم؟.. على كلٍّ -والعلم عند الله عز وجل- من الواضح أن إزاحة العناصر الفاسدة في المجتمع، واستئصالهم، هو لصالح الحركة الإيمانية.. فالإنسان له قيمته، ما دام لم يقف أمام مد الهُـدَى، وأما إذا وقف أمام الهدى، فلا قيمة له.. كما نرى في حياة النبي أرأف الخلق، ولكن عندما يصل الأمر إلى أن تكون جماعة كيهود المدينة عقبة أمام تقدم الإسـلام، فإنه يقف منهم ذلك الموقف، ويقول: {وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.. كما نلاحظ في الآية الكريمـة.
{وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ}.. يقال: هنا {ضَحِكَتْ} ضحكت من الضحك بفتح الضاد أي حاضت، واعتراها ما يعتري النساء، وليس المراد ضحكت مما يقابل البكاء.. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ}.. لأنها اعترتها حالة النساء الطبيعية، وهذه الحالة تدل على استقامة بدن المرأة وقابليتها للحمل.
{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}..  فإنها لما سمعت بشارة الملائكة، تمثل لها الحال بتولد ولد من عجوز عقيم وشيخ هرم بالغين في الكبر، لا يعهد من مثلهما الاستيلاد، فهو أمر عجيب على ما فيه من العار والشين عند الناس؛ فيضحكون منهما، ويهزءون بهما.. وذلك فضيحة.
{قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ}..  أي إذا أراد الله عز وجل أن يبارك في إبراهيم على كِبَرِ سنه، فإنه يبارك في زوجته على كِبَرِ سنها، ويعطي لهم هذه الذرية المباركة في مقتبل أعمارهم.. نعم، إذا أراد الله عز وجل أن يبارك في شخصٍ، أو في أمرٍ.. فهو الذي يختار الوقت المناسب حتى لو لم يكن مناسباً بنظر القوم.
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}.. إن هذا النبي نبيٌّ غريبٌ عجيب!.. فهذه السماحة، وهذا الحنان، وهذا العطف، وهذه الإنسانية.. لا تدل إلا على نعته بالجميل، فلم يكن جداله إلا حرصا منه في نجاة عباد الله؛ رجاء أن يهتدوا إلى صراط الإيمان.. ولهذا تقول الآية: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}.. نعم، هذا هو الحلم الإبراهيمي.. أوّاه، كثير التأوّه.. فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن (الأواه) يعني كثير التأوّه في المناجاة مع رب العالمين، والذي يخاف من عذاب جهنم –مثلاً- أو يذكر عذاب رب العالمين.. ولكن هنا التفاتة جميلة لبعض المفسرين: أن أواه، أي كثير التأفف، وكثير الألم لكل ما لا يستسيغ، حتى لو كان انحرافاً في المجتمع.. فإبراهيم يتأوه، لا لمسائل القيامة والنار والجحيم فقط -طبعاً لأمته- وإنما لما يرى من الانحرافٍ الاجتماعي، فهو يتأوه.. فكم من الجميل أن يبكي الإنسان في جوف الليل، لا لذنوبه، ولا لآخرته.. وإنما لأمته، ولمن يعيش فيما بينهم.. فعندما يرى منكراً جلياً فاضحاً في النهار، فإنه في جوف الليل يبكي أمام رب العالمين.. نعم، هذا عملٌ إبراهيمي.
أنظروا إلى العلاقة الجامعة: فهو مع رب العالمين منيب، ومع نفسه حليم، ومع المجتمع أوَّاه.. إنها صورٌ مختلفة من التكامل، مجتمعة في هذا النبي الذي يستحق بحـق لقب (خليل الرحمن).
{يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ}.. إن رب العالمين يأمر إبراهيم بعدم الحلم، فيقول: يا إبراهيم!.. لا تجادلنا في قوم لوط، قد جاء أمر الله.. وهنا علينا أن نحذر هذه النقطة {قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ}.. إن رب العالمين يمهل الإنسان، ويتجاوز عنه، ويعفو، ويؤخّر العذاب.. ولكن يصل إلى درجة من الدرجات، حتى لو جاء إبراهيم الخليل، لا يستجيب لدعوته ولا لشفاعته.
{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}.. فقد جاءت الملائكة على شكل شباب وغلمانٍ، لهم جمالهم الأخـاذ.. فلما رأى الغلمان قد دخلوا في منزله {َقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}.. لأن القوم سيهجمون على دار لوط، طلباً لذلك المنكر.
{وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}.. ما الذي جرى على أنبياء الله طوال التأريخ؟.. كم صبروا في طاعة الله!.. كم تحملوا الأذى في ترويـج شريعته!.. ونحن ما الذي أصابنا في الله عز وجـل؟.. لـوط وهو يدعو الناس ليلاً ونهـاراً، لارتباطه بالسمـاء بما أوتيَ من مَلَكَات -ملكات النبوة- وإذا به يُبْتَلى بقومٍ هجموا على داره، لأجل ارتكاب الفاحشة مع المـلائكة.
{قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}.. أي: يا قوم إن أردتم تفريغ الغريزة فهؤلاء بناتي -طبعاً يقصد بذلك الزواج من بناته- فالحركة الطبيعية لمن له شهوة، ولمن له غريزة أن يتزوج، لا أن يقترن أو يهجم على الرجال الذين جاؤوا إلى بيت لوط، فهو نبيٌ محترمٌ.. فيقول: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي}.. أي إما أن تتقوا الله عز وجـل، وإما أن تراعوا الأعـراف، فهؤلاء ضيوفي.. كيف تطاوعكم أنفسكم دخول منزلي، وارتكاب ما يوجب الخزي أمام الضيف؟.. {لَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}.
ولكن انظروا إلى وقاحة القوم -وقد حق للملائكة أن تقول عندما خلق آدم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}- {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ}.. أتعرض علينا بناتك؟.. فنحنُ لا حاجةَ لنا في بناتكَ يا نبي الله {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}.. هنا تذكرنا هذه العبارة بعبارة سيد الشهداء صلوات الله عليه في يوم عاشوراء، عندما كان يستغيث فلا من مغيث.
{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً}.. أي أتمنى أن يكون لي منعة وقدرة وجماعة، أتقوى بها عليكم؛ فأدفعكم عن أضيافي.. {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}.. أو أني أجد عشيرةً خارج هذه الدائرة، فأستند إليها في دفع المنكر عن ضيوفي، وعمَّا لا يرضي رب العالمين.
{قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ}.. إن هذا الارتباك الذي عاشه نبي الله لوط، يناسب عدم معرفته بأن هؤلاء من الملائكة -كقضية إبراهيم عليه السلام-.
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ}.. هؤلاء القوم كانوا يرتكبون هذه الفاحشة الشنيعة.. وهذه المرأة في مقام العمل ألحقت بهم في العذاب.. فلم يقل: أنها مرتكبةٌ ما ارتكبوا، بل {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ}.. لأنها لم تكن على منهج نبي الله لوط.
{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.. إن رب العالمين يُمهل ولا يهمل.. إن فرج هذه الأمة -وهو خروج ولينا وصاحبنا صلوات الله وسلامه عليه- بالنسبة لله عز وجل، كالصبح بالنسبة إلى ليلنا، بل أقرب من ذلك.
{فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}.. إنه عذاب متميِّز، فلم يكتفِ بأن ينزل الله عليهم الصاعقة، كما في بعض الأمم، أو يحولهم إلى قردة وخنازير.. فعلى ما يبدو أن هذه البقعة بقعة مبغوضة لله عز وجل، فقد جعل عاليها سافلها.
{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ، مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}.. فرب العالمين إذا اشتد غضبه على قومٍ، هكذا يمحوهم من الوجود.. كم من الدول الظالمة، جاءت واندثرت!.. عندما أراد الله سبحانه أن لا يبقي لهم أثراً.. كما كان الأمر كذلك بعد استشهاد إمامنا وسيدنا الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فلم يبق لهؤلاء الذين حكموا المسلمين باسم الإسلام، إلا الخزيَ في التأريخ.. إن سياسة رب العالمين هكذا: إما الخسف الظاهري، وإما الخسف التأريخي.. صحيح أن بنو أمية لم تقلب بهم الأرض، ولكن التأريخ قلبهم.. ورأينا كيف أنه في سنواتٍ بسيطة، وإذا أحدهم يتبرأ من انتسابه إلى أمية، حفظاً لدمه، ولئلا يصيبه ما أصاب الذين تزعموهم طوال هذا التأريخ، الذي يعبّر عنه بأنه من أظلم الأيام التي مرت على المسلمين، ويكفي أنه في هذه الفترة، وقعت معركة الطَّف بمآسيها وبآلامها. 

إدمان السجود

إن هناك حركة من المناسب أن يتنبه لها المؤمن، سواء كان في المسجد أو كان في المنزل.. فمن يقدم على هذه الخطوة، يصبح مدمنا عليها، مثلما يدمن الإنسان الذي يتناول تلك الحشيشة التي تنبت في الأرض، وتفرز مادة حمضية.. فإن تناولها لمرة واحدة، لا يستطيع تركها.. فهل رب العالمين الذي جعل خاصية الإدمان في حشيشة صغيرة، لا يمكن أن يجعل الإدمان الإيجابي: أي الإدمان الروحي، والإدمان التكاملي، في حركة من الحركات؟..

إن هذه الحركة هي التي كانت مصدر أنس لأئمة الهدى (ع) وهم في سجون الظالمين..  فالإمام موسى الكاظم (ع) شكر الله -عز وجل- على نعمة السجن، لأنه أصبح في خلوة.. وذلك لأنه إمام طرح نفسه لقيادة الأمة وهدايتها، ولكن الناس أعرضوا عنه، وجاء الحاكم الظالم وأودعه السجن؛ فسقط التكليف الاجتماعي عنه، وتفرغ لعبادة الله عز وجل.

إن السجدة بالنسبة للأولياء والصالحين، ليست مجرد دقائق وسويعات، بل لعلهم كانوا يمضون بعض لياليهم في السجود..حيث أن من أفضل موجبات الاطمئنان، هو الذكر في حال السجود.. وهو مقتضى قول النبي (ص): (أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد).. فالسجود هو أشرف حركة بدنية، وذلك لأسباب منها:

أولا: لأن الإنسان يكون منبطحا على الأرض.. فالواقف شامخ بأنفه، والراكع نصف التكبر خلق منه.. أما عندما يسجد فإنه يتكور، ولعل أصغر حجم لبني آدم يكون أثناء السجود.. قال الباقر (ع): (كان رسول الله (ص) عند عائشة ذات ليلة فقام يتنفّل، فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده.. فظنت أنه قد قام إلى جاريتها، فقامت تطوف عليه فوطئت على عنقه وهو ساجدٌ باكٍ يقول: "سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء إليك بالنعم، وأعترف لك بالذنب العظيم، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ برحمتك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا أبلغ مدحك والثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أستغفرك وأتوب إليك".. فلما انصرف قال: يا عائشة!.. لقد أوجعت عنقي، أي شيء خشيت؟.. أن أقوم إلى جاريتكِ)؟!..

ثانيا: إن رأس الإنسان عادة ما يرمز إلى: العظمة، والتكبر، والكبرياء، والعلو، وهو في البدن يمثل القيادة.. فيلاحظ أن هذا الرأس في السجود، يتطأطأ أمام رب العالمين سجوداً.. وكذلك فإن أشرف بقعة في الرأس -وهو الموضع الذي يحاذي المخ، وهو مكان التفكير- ألا وهي الجبهة -وهذه الجبهة المحاذية لأشرف بقعة في الجسم على الإطلاق، وهو المخ المفكر- يلاحظ بأنها تلتصق بأرخص بقعة في الوجود، ألا وهو التراب.. يجعل الرأس وهو أشرف بقعة في الجسم، والجبين وهو أشرف بقعة في الرأس، يضع هذه القطعة على أرخص بقعة في الأرض.

فإذن، إن الحركة هي بنفسها تواضعية.. بعض الناس يصلي صلاة الليل، وعندما ينتهي يسجد وينام في سجوده، فيكون جسمه في الأرض، وروحه في السماء.. هذا العبد يباهي الله -تعالى- به الملائكة، لأنه لم يلزمه بشيء، بل هو ألزم نفسه.. عن رسول الله (ص): (يا أبا ذر!.. إنّ ربك -عزَّ وجلَّ- يباهي الملائكة بثلاثة نفر ـ إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورجل قام من الليل فصلّى وحده، فسجد ونام وهو ساجد، فيقول الله تعالى: اُنظروا إلى عبدي!.. روحه عندي وجسده في طاعتي).

إن تذوق السجدة من ألذ لذائذ العيش عند أهلها.. وعليه، فإن السجود عملية مباركة.. ولكن ماذا نقول في السجود؟..
إن أفضل ذكر هو الذكر اليونسي، الذي لم يفارق الأولياء والصالحين طوال التاريخ: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. هذا الذكر عجيب، جامع لمعانٍ عظيمة، منها:

أولا: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ}، هو سيد الأذكار.. لم يقل: (لا إله إلا الله)؛ لأن الإنسان عندما يكون قريبا من المخاطب، يخاطبه مباشرة، يقول: يا رب، أنا أخاطبك أنت مباشرة.
ثانيا:
 {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ تنزيه.. أي أن ما حصل، لم يكن جزافا!.. بل أنا الذي ظلمت نفسي، فأوقعت نفسي ببطن الحوت.. وأنا الذي ظلمت نفسي، فأوقعت نفسي في الكآبة المزمنة.. وأنا الذي ظلمت نفسي، فكتبت عاقبتي.. وعليه، فإن هذا الذكر فيه اعتراف جميل!..

إن القرآن الكريم لم يذكر أن يونس (ع) قال هذا الذكر مائة مرة، لعله ذكره مرة واحدة، ولكن بحالة يونسية.. فهنيئا لمن ذكر الذكر اليونسي بحالة يونسية، ولو مرة واحدة في عمره؛ عندها يرى الأعاجيب!..

الأحزان التي ترد على قلب المؤمن

إن الإنسان قد يكون في أعلى درجات الرفاهية، ولكن قلبه يعتصر حزنا وألما.. حيث أنه ليس هناك أي تلازم بين أن يكون الإنسان في سعة من الرزق، وبين حزن قلبه أو فرحه.. فإذن، لا يعتقدن أحد أن الرفاهية المادية ستشفع له في هذا المجال.. وكما هو متعارف: فإن الفقراء من أصفى الناس باطنا، وبعض التجار المترفين من أشد الناس عذابا!..

إن الحزن ليس حالة واحدة، بل حالات متعددة:
أولا: الحزن المقدس: إن النبي الأكرم (ص) كان من أكثر الناس حزنا، يقول القرآن الكريم: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}.. كان يحمل حزنا عظيما، ولكن هذا الحزن كان مقدسا؛ لأنه حزن على الناس وعلى الأمة، فقد كان (ص) عندما يؤذيه قومه، يقول: (اللهم!.. اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون).

فإذن، عندما يرى المؤمن أن حزنه نابع من تقصيره في العبودية: حيث أنه من الصباح إلى المساء لم يوفق لطاعة معتبرة، أو عزم على ترك معصية، وفي ساعة الامتحان وقع في تلك المعصية.. أو لا هذه ولا تلك؛ أي لم يرتكب معصية، ولكنه يعيش حالة الغفلة والبعد عن الله عز وجل؛ فإن هذا الحزن مقدس.. لأن ذكر الله -عز وجل- بالنسبة للمؤمن الذي وصل إلى درجة عالية، هو بمثابة الهواء الذي يستنشقه.. فإذن، هذا الحزن مقدس.. وعلى المؤمن أن يدعو ويقول: يا رب، زدني حزنا!.. فهذا الحزن بمثابة المنبه، يجعل المؤمن يتنبه إلى أن هناك شيئا ما، أورثه هذا الحزن.

ثانيا: الحزن غير المقدس.. وهو حزن شيطاني، إذ أن الإنسان يحزّن نفسه دون سبب: هو وضعه جيد، في نعمة ظاهرية وباطنية؛ ولكنه قلقل من المجهول، ويعيش في خوف من المستقبل.. حيث أن الله -عز وجل- منذ أن خلق آدم (ع) إلى يومنا هذا، ما أعطى ضمانا لأحد أن يعيش إلى آخر عمره على نحو ما هو يريد.. فالحياة فيها تقلبات.. فإذن، إن الحزن الذي منشؤه الدنيا والحرص عليها، غير مقدس.

ثالثا: الحزن الذي لا يعلم سببه.. وهناك حزن لا يعلم هل هو مقدس أو غير مقدس: لا هو من معصية، ولا من غفلة، ولا هو من ابتعاد، ولا من دنيا.. سببه مجهول، فما هو الحل؟.. على الإنسان أن يستقرئ باطنه، ويرى الأسباب التي أورثته هذه الحزن.. ومن الأسباب التي لا نقيم لها وزنا، إدخال الحزن على الآخرين.. إن رأيت حزنا في قلبك، ابحث عن القلوب المحيطة بك، لعلك كنت سببا في شعور إنسان بالألم والأذى؛ فعجّل رب العالمين لك العقوبة في الدنيا، أن جعل في قلبك هذا الحزن، ليخفف عنك العذاب يوم القيامة.
كان أحدهم مبتلى بمولى قاسي القلب، شوهد جالسا مع كلب يأكل معه.. وعندما سئل عن السبب، قال: لعل بإدخالي السرور على هذا الحيوان، أرجو أن يدخل اللين على قلب المولى فيخلصني من شره.. إذا كان إدخال السرور على كلب نجس العين، يوجب الفرج للمؤمن.. فكيف بإدخال السرور على قلب مؤمن بالله؟.. وكيف إذا كان بقلب تقي؟.. واليكم متن الرواية :
رأى الحسين (ع) غلاماً يؤاكل كلباً، ولمّا سأله، قال: يا ابن رسول الله إنّي مغموم، أطلب سروراً بسروره، لأنّ صاحبي يهودي أريد أفارقه، فأتى الحسين (ع) إلى صاحبه بمأتي دينار ثمناً له، وقال اليهودي: الغلام فداء لخطاك، وهذا البستان له ورددت عليك المال، فقال (ع) : (قد وهبت لك المال)، قال: قبلت المال ووهبته للغلام. فقال الحسين (ع) : (أعتقت الغلام، ووهبته له جميعاً).فقالت امرأته: قد أسلمت ووهبت زوجي مهري. فقال اليهودي: وأنا أيضاً أسلمت وأعطيتها الدار.


كيف اجعله خير شهر مر علينا؟!..
داهمنا شهر رمضان الكريم من دون استعداد مسبق ، وها انذا ارى نفسي فقيرا بين يدي الله تعالى والحال ان طموحي ان يكون شهرنا هذا خير شهر رمضان مر علينا ، فارجو من الاخوة الادلاء بارائهم حول هذا الامر وكيف احول شهري هذا الى خير شهر رمضان في حياتي كلها .. فانني لا اضمن ان ابقى الى شهر رمضان قابل فقد فارقت الكثيرين من الاعزة ؟!

حديث


قال الإمام علي ( عليه السلام) : أي ذنب أعجل عقوبة لصاحبه؟.. فقال : من ظلم من لا ناصر له إلا الله ، وجاور النعمة بالتقصير ، واستطال بالبغي على الفقير .

2013-07-07

رواية الرجل الاسدي



روي عن رجل أسدي : قال : كنت نازلا على نهر العلقمي بعد ارتحال العسكرعسكر بني امية ، فرأيت عجائب لا أقدر أن أحكي إلا بعضها . منها : أنه إذا هبت الرياح تمر علي نفحات كنفحات المسك والعنبر ، وإذا سكنت أرى نجوما تنزل من السماء إلى الارض ، وترقى من الارض إلى السماء مثلها ، وأنا منفرد مع عيالي ، ولا أرى أحدا أسأله عن ذلك ، وعند غروب الشمس يقبل أسد من القبلة فاولي عنه إلى منزلي ، فإذا أصبحت وطلعت الشمس وذهبت من منزلي ، أراه مستقبل القبلة ذاهبا .
فقلت في نفسي : إن هؤلاء خوارج قد خرجوا على عبيدالله بن زياد ، فأمر بقتلهم ، وأرى منهم ما لم أره من سائر القتلى ، فوالله هذه الليلة لابد من المساهرة لانظر  هذا الاسد أيأكل من هذه الجثث أم لا . فلما صار عند غروب الشمس ، وإذا به قد أقبل فحققته فإذا هو هائل المنظر ، فارتعدت منه وخطر ببالي إن كان مراده لحوم بني آدم فهو يقصدني ، وأنا احاكي نفسي بهذا فمثلته ، وهو يتخطى القتلى حتى وقف على جسد كأنه الشمس إذا طلعت ، فبرك عليه ، فقلت : يأكل منه ؟ ! فإذا به يمرغ وجهه عليه وهو يهمهم ويدمدم .
فقلت : الله أكبر ما هذه إلا اعجوبة ، فجعلت أحرسه حتى اعتكر الظلام ، وإذا بشموع معلقة ملات الارض ، وإذا ببكاء ونحيب ولطم مفجع ، فقصدت تلك الاصوات فإذا هي تحت الارض ، ففهمت من ناع فيهم يقول : واحسيناه ، وا اماماه ، فاقشعر جلدي ، فقربت من الباكي وأقسمت عليه بالله وبرسوله من تكون ؟ فقال : إنا نساء من الجن ، فقلت : وما شأنكن ؟ فقلن : في كل يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحسين - عليه السلام - الذبيح العطشان .
فقلت : هذا الحسين الذي يجلس عنده الاسد ؟
قلن : نعم ، أتعرف هذا الاسد ؟ قلت : لا .
قلن : هذا أبوه علي بن أبي طالب - عليه السلام - ، فرجعت ودموعي تجري على خدي .